الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

179

آيات الولاية في القرآن

« قُلِ الْعَفْوَ » أي ما زاد على الضروري واللازم في حياة الإنسان . فإذا كانت آيات سورة الدهر نزلت في حقّ عليّ وأهل بيته عليهم السلام إذن فلما ذا تبرع الإمام بالطعام الذي يحتاجونه إلى السائل ؟ الجواب : إنّ هذا الكلام يثير العجب واقعاً وخاصّةً فيما لو صدر من شخص يدّعي المعرفة والعلم ، لأنّ مثل هذه المعاذير والحجج تشير إلى معالم الجهل وعدم الاطلاع ، وتوضيح ذلك أن « الإنفاق » شيء و « الإيثار » شيء آخر ، ومع الأسف أن من يطرح هذا الإشكال لا يدرك التفاوت بين الإنفاق والإيثار . ونقرأ في الآية التاسعة من سورة الحشر في وصف الأنصار : « وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ » . إنّ بعض الأشخاص قد يصلون في مرتبة الكمال المعنوي إلى درجة ومقام « الإيثار » ، فعلى رغم حاجتهم الشديدة ينفقون ما يحتاجونه على الآخرين . وقد ورد في شأن نزول هذه الآية : « أن شخصاً أتى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فشكى إليه الجوع ، فبعث رسول اللَّه صلى الله عليه وآله إلى منزله ، فقالت له زوجته : ما عندنا إلّا الماء ، فقال رسول اللَّه : من لهذا الرجل الليلة ؟ فتعهده رجل من الأنصار وصحبه إلى بيته ولم يكن لديه إلّا القليل من الطعام لأطفاله ، وطلب أن يؤتى بالطعام إلى ضيفه وأطفأ السراج ، ثمّ قال لزوجته : نوّمي الصبية ، ثمّ جلس الرجل وزوجته على سماط الطعام فتظاهروا بالأكل ولم يضعوا شيئاً في أفواههم ، وظنّ الضيف أنهم يأكلون معه ، فأكل حتّى شبع وناموا الليلة ، فلما أصبحوا قدموا على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فنظر إليهم وتبسّم ( دون أن يتكلم ) ، فنزلت الآية أعلاه وأثنت على إيثارهم » « 1 » . وعلى هذا الأساس فإن من يطرح مثل هذه الشبهة فإنه لم يقرأ جميع آيات القرآن الكريم ، وإلّا فلا ينبغي الشكّ بأن مقام الإيثار أعلى مرتبة من مقام الإنفاق بحيث لا يناله إلّا من أوتي حظاً عظيماً من الإيمان والخلوص ، ولذلك يعد الإيثار من الصفات الخاصّة بالمؤمنين الحقيقيين .

--> ( 1 ) التفسير الأمثل : ذيل الآية مورد البحث .